بين ( الإنزال ) ، و( التنزيل )
قال الله عز وجل :﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَابَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ﴾[آل عمران: 3] .
« لقدعبّر السياق القرآني عن نزول الكتب السماوية بالفعليننزّل ) لما ذكر القرآن، و( أنزل ) لما ذكر التوراة والإنجيل . ألا يشعرك ذلك بمعنى جليل يريد الله تعالى أنيقذفه في قلبك في هذا التغاير بين الفعلين ؟ نعم ، عندما استخدم الله تعالى فعل ( نزّل ) بالتضعيف أشعرك هذا التضعيف بالقوة والشدة زيادة عن الفعل ( أنزل ) ، وهذه الشدةتؤذن بقوة نزول القرآن في كيفيته وكمّيته ؛ وذلك تعظيمًا لقدر القرآنوشأنه » .
ثانيًا- وأرسلت إلى الباحث اللغوي في إعجاز القرآن الأستاذ محمد إسماعيل عتوك أسأله عن مدى صحة هذا الكلام ، فأجابني بالآتي :
« الحقيقة أن هذا الكلام لا حقيقة تحته ، وبالتالي فإنه لا قيمة له ولا وزن ؛ لأنه مجرد كلام لا دليل عليه ، وهو مخالف لنصوص القرآن ، والدليل على ذلك قوله تعالى :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185] ، وقوله تعالى :﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً ﴾ [الإنسان: 23] ، فذكر سبحانه في الآية الأولى لفظ ( الإنزال ) ، وذكر في الآية الثانية لفظ ( التنزيل ) ، وكلاهما مسند إلى لفظ ( القرآن ) .
والمحققون من علماء اللغة يقولون : إن لفظ ( الإنزال ) مختصٌّ بما يكون النزول فيه جملة واحدة . وأن لفظ ( التنزيل ) مختصٌّ بما يكون النزول فيه مفرَّقًا على سبيل التدريج ، فحيث ذكر القرآن بلفظ ( الإنزال ) كان المراد منه : النزول به جملة واحدة ، وحيث ذكر بلفظ ( التنزيل ) كان المراد منه :النزول به مفرقًا بالتدريج .
وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئِل عن قول الله عز وجل :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ [البقرة: 185] ، وقوله :﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر ﴾[القدر: 1] ، وقوله :﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾[الدخان: 3] . وقد نزل في سائر الشهور ، وقال عز وجل :﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ ، فقال :« أُنْزِلَ القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزَّة في السماء الدنيا ، ثم نزل به جبريل- عليه السلام- على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجومًا في ثلاث وعشرين سنة » .
فالقرآن الكريم ( أنزل ) من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا دفعة واحدة ، ثم ( نزِّل ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجومًا في ثلاث وعشرين سنة ؛ وذلك حسب ما يقتضيه المقام .. تأمل قوله تعالى :
﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء: 82]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾[المائدة: 101].
كيف عبر الله تعالى عن ذلك بلفظ ( التنزيل ) ، دون لفظ ( الإنزال ) . وقد بين الله عز وجل الحكمة من تنزيل القرآن مفرَّقًا في قوله :﴿ وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ ﴾ [الإسراء: 106] . أي : فصلنا بين بعضه .
ولما اعترض الكفار على تنزيل القرآن مفرقًا كما حكي عنهم :﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾[الفرقان: 32]. أي : جملة واحدة كما أنزلت التوراة جملة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود ، أجاب تعالى عن ذلك بقوله :﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ﴾[الفرقان: 32].
وإذا ثبت هذا ، فنقول : لما كان المراد من قوله تعالى :﴿ شَهْرُ رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ ﴾[البقرة: 185]إنزاله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، ذكر بلفظ ( الإنزال ) دون لفظ ( التَّنزيل ) ، ولما كان المراد من قوله تعالى :﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً ﴾ [الإنسان: 23] تنزيله مفرَّقًا ، ذكر بلفظ ( التنزيل ) دون لفظ ( الإنزال ) ؛ لأن لفظ ( الإنزال ) يدل على الجمع ، ولفظ ( التنزيل ) يدل على التفريق ، وبهذا يعلم أن ( التنزيل ) مرحلة تلي مرحلة ( الإنزال ) ، وتأمل ذلك في القرآن تجده على ما ذكرنا ، والله تعالى أعلم ! » .
بقلم : محمد إسماعيل عتوك


نزّل ) لما ذكر القرآن، و( أنزل ) لما ذكر التوراة والإنجيل . ألا يشعرك ذلك بمعنى جليل يريد الله تعالى أنيقذفه في قلبك في هذا التغاير بين الفعلين ؟ نعم ، عندما استخدم الله تعالى فعل ( نزّل ) بالتضعيف أشعرك هذا التضعيف بالقوة والشدة زيادة عن الفعل ( أنزل ) ، وهذه الشدةتؤذن بقوة نزول القرآن في كيفيته وكمّيته ؛ وذلك تعظيمًا لقدر القرآنوشأنه » .
رد مع اقتباس



